خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الثالث: مَوْلدُ محمد (ص) وطفُولَته

عـام الفيـل
كان أبرهةُ الأشرم صاحبَ مطامع كبيرة، فزينت له نفسُهُ أن يبني كنيسةً في اليمن تضاهي البيتَ الحرام في مكة الذي تحجُّ إليه العربُ، ليس من اليمن وحدها، بل ومن شبه الجزيرة كلها، فيتحقق له بذلك مأربان: جعلُ البيت الذي يبنيه كعبةً يحجُّ إليها الناس، وصرفُ مكانة مكة التجارية إلى اليمن، فتترامى شهرته، وتزداد أمواله وثرواته.
وبالفعل فقد بنى أبرهة كنيسة القُلَيْس بصنعاء. وقد سميت «القُليْس» لارتفاع بنائها وعلوّها. وكان قد جمع لها أمهر البنائين، وأحذق الصناعيين، وأقدر الفنانين في زمانهِ، وجلب لها فاخر الأثاث حتى استوت صرحاً شامخاً لم يُرَ مثلُها في أرض العرب. فكتب إلى النجاشي: «إني قد بنيتُ لك أيها الملك كنيسة لم يُبْنَ مثلُها لملك كان قبلك، ولست بمُنْتَهٍ حتى أصرف إليها حجَّ العرب»[*].
وأرسل أبرهةُ دعاتَهُ يطوفون في أرجاء بلاد العرب، يحثّون الناس على الحجِّ إلى القُليْس، البيت العظيم الذي بناه سيدُهُم، ليفاخر به جميع البيوتِ غيرَه... ولكنَّ أحداً من العرب، لا في اليمن ولا في نجد أو الحجاز، استجاب لدعوة ملك اليمن، بل على العكس فقد خطّأوه في الرأي، لأنهم لا يعتبرون حجَّهم مقبولاً إلاَّ في كعبة مكة، في ذلك البيت العتيق الذي توارثوا حرمتَهُ وتقديسَهُ عبر الأزمان والأجيال.. وهذا أمر محقَّقٌ لأن بيتاً حراماً بناه النبيّون بأمر من رب العالمين، سيظل على مدى الدهر البيت الذي يشدُّ الناس إليه، فيأتونه حاجّين، مُلبِّين دعوة خالقهم العظيم. وكان من الطبيعي أن تظل نفوس العرب مشدودة إلى الكعبة الشريفة في مكة، وقد أكرمَها الله سبحانه وتعالى بأن جعلها بيتاً يعبدُ فيه الناسُ إلهاً واحداً أحداً لا شريك له، وزادها تشريفاً بدعاء أبي الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) ، لتكون بيته المحرَّم الذي يقيم فيه الناسُ الصلاة متعبّدين للعلي العظيم، وليكون هذا البيت العتيق، وبهاتين الميزتين السنيّتين الكعبةَ التي تهوي إليها أفئدة الناس فيأتونها من كل فجٍّ عميق. وها هو دعاء إبراهيم (عليه السلام) ما يزال صداه يتردَّد، وسيبقى يتردَّد عبر الأثير، ويدوي في آفاق السماء إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، كما ورد في التنزيل الحكيم: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ *} [إبراهيم: 37].
فإذا كان هذا شأن الكعبة في مكة المكرمة، التي أعزَّها ربُّ السماوات والأرض فأنَّى لبيت بناه أبرهة الأشرم، بل أنَّى لصروح يبنيها سائر البشر، مهما كانت كبيرة في المساحة، أو مزدانة بالذهب والفضة، أو مجمّلةً بالزينة والنقوش والأثاث، أن تكونَ كبيتٍ هو لله سبحانه وتعالى، وقد جعله ليكون محجاً للمؤمنين، ومثوبةً لطالبي الرحمة والغفران من ربهم العظيم.
فتلك بيوت للناس، وهذا بيت لله..
ويا ليت أبرهة أقام بيتَهُ خالصاً لله، ولعبادة الله.. ولكنَّه أرادَه بيتاً لمجده الدنيوي، بل ومناوئاً لبيتٍ هو لله. فكان من عجيب أمره أن يفعل ذلك، وهو على دين النصرانية، وكان من مستغرب أمره ألاَّ يعلم أن البيت العتيق في مكة، هو البيت الحرام، وأنه في البلد الحرام، وأنَّهُ محرَّمٌ على من يدخله أن يَقتل، أو يُهرق دماً، أو يثير أيَّ شيء يُعكِّر أمنه، أو يخدش قُدسَهُ.
وإذا كان التاريخ يشهد على تفاهة أبرهة الأشرم ويسفِّه أحلامَهُ، فإن الواقع اليوم يظهر لنا من أمثاله كثيرين، ويدين أعمالهم عندما يعمدون إلى إقامة البيوت الكبيرة باسم الدين، بينما هم - في حقيقة الأمر - لا يتوخّون إلاَّ شهرة أو مجداً دنيوياً. أما النية الخالصة لله تعالى، فلا يعلمها إلاَّ هو سبحانه.. وإنه لحقٌّ على المؤمنين، وواجب مقدس أن يقيموا المعابد الدينية، شرط أن تكون قربة لله تعالى، ونوال رضاه. أما أن تبنى أماكن العبادة من أجل السمعة والشهرة، ومن أجل وضع اللوحات الرخامية لكتابة اسم الباني والإشادة به، فهذا يقدّره الله ربُّ العالمين، وهو اللطيف الخبير، وهو أعلم بما في صدور العالمين..
وفشل أبرهة في تحقيق مآربه، إذ لم يحجّ العرب إلى «القليس» بل ولقد غضبوا وحنقوا لإقامتها. كما عبَّر عن هذا الغضب رجل من النسأة[*] أحد بني فَقيم من كنانة، إذ استبدَّ به الطيش فذهب وأحدث في القليس، ولطَّخ أبوابها ومداخلها بالعذرة!..
وعلم أبرهة بالأمر، فاهتاج غيظه وغلى الدم في عروقه، وحلَفَ ليسيرنَّ إلى كعبة العرب في مكة ويهدمها، فلا يبقى لها أثر، وتنساها العرب وغيرهم... فركب في جيش لَجِب[*] - عدده ستون ألف جندي[*]، على ظهر فيل ضخم، كان يضعه في مقدمة الجيش ويعوّل عليه في هدم التحصينات واختراق الحواجز حتى غلبت شهرة هذا الفيل على شهرة صاحبه أبرهة.. وتناهت أخبار ذلك الغازي إلى بلاد نجد والحجاز فخاف الناس على مصيرهم، ومصير كعبتهم، مما جعل بعضهم يهبُّ لملاقاته ومحاربته. وكان أول من استنفر قومَهُ ومن استجاب له من العرب، أحد أشراف اليمن واسمه ذو نفر، ولكنَّ مقاومته لم تجدِ نفعاً، إذ سرعان ما غلبَهُ أبرهة على أمره، وأخذه أسيراً.. فقام له نُفَيْل بن حبيب الخثعمي، سيد قبيلتي خثعَمْ: شهران وناهس، وتبعه بعضُ القبائل فهزمهم أيضاً، وأخذ نُفيل بن حبيب أسيراً وجعله دليلاً له في أرض العرب. فما إن بلغ الطائف وأراد هدم صنمها اللات، وهو يحسبه الكعبة، حتى خرج إليه أهلها في سيدهم مسعود بن ثقيف يقدمون له الهدايا لاسترضائه، وصرفه عن «اللات» لأنها ليست البيت الذي يقصد بمكة، وتدليلاً على صدقهم فقد أعطوه رجلاً اسمه أبو رغال ليكون دليله إلى كعبة مكة، ولكن، ما إن وصل أبرهة إلى المحلة التي تدعى «المغمَّس» على مقربة من مكة ونزل ليستريح فيها هو وجيشه حتى مات رجل الطائف أبو رغال فرجمت قبره العرب[*].
وبعث أبرهةُ جنودَهُ فاقتادوا المواشي من مراعيها، وفيها مئتا بعير لعبد المطلب بن هاشم، سيد قريش وكبيرها..
واجتمعت بطون قريش وكنانة وهذيل، وغيرها من أهل الحرم، ليتدبروا أمرهم؛ فرأى الشباب أن يقاتلوا الغازي الدخيل، ولكنَّ العقلاء والشيوخ رفضوا هذا الأمر لأنه لا طاقةَ لهم على مقاومة ذلك الجيش الكبير، فباتوا ينتظرون مترقبين... وكان أبرهة قد بعث أحد رجاله ويقال له حناطة الحِمْيري ليأتيَ سيِّدَ مكة، عبدَ المطّلب ويعلمه بأنَّ مَلِكه لم يأت لحربهم وقتالهم، وإنما جاء لهدم الكعبة، فإن امتنعوا عن مقاومته فلن يتعرض لهم بسوء. واستدعى عبدُ المطّلب من فوره بعضاً من أبنائه، وشيوخَ القبائل، ثم ذهبوا إلى ملك اليمن لمفاوضته؛ فلما دخلوا عليه، ورأى ما على سيد القوم من مهابةٍ وجلال، أعظمه وأكبره، ثم أجلسه إلى جانبه، وأمَرَ بترجمانٍ لينقل الحديث بين الرجلين.. وطال الجدال والنقاش ولكن بهدوء وروية، مما جعل عبد المطلب يرغب بنزول الملك عليه ضيفاً مكرّماً، ثم ينصرف وجيشه عن بلده الآمن، إلاَّ أن أبرهة غضب لسماع أمر انصرافه عن مكة، مما اضطر عبد المطلب لأن يسأله أن يردَّ عليه وعلى بني قومه الإبلَ والمواشيَ التي استاقها جنوده.. عندها التفت أبرهة إلى الترجمان وقال له:
- قل لهذا الرجل بأنه أعجبني حين رأيته وزهدت فيه حين كلّمني. أيطلب مني مواشيَ، ويترك بيتاً هو دينه ودين آبائه وقد جئت لهدمه؟!.
وأجاب عبد المطلب بما لم يخطر على بال أبرهة الأشرم بقوله:
- يا هذا! قل لسيدك: «إني أنا ربُّ الإبل وعليّ واجبُ حمايتها، وإنّ للبيت ربَّاً يحميهِ ويمنعه».
فقال أبرهة: ما كان هذا البيت ليمتنع منّي.
قال عبد المطلب: أنت وذاك..
ولا ندري ما الذي دار من النقاش بين عبد المطلب وأبرهة بعدها.. ولكن ما يمكن الجزمُ به هو أن عبد المطلب أراد أن يبرِّىء ذمته أمام ربه في حرصه على البيت الحرام، ودفاعه عنه، فعرض على ملك اليمن أن ينزل ضيفاً عزيزاً عليه، وأن يعطيه من أموال تهامة ومكة ما يريد. ولكنَّ أبرهة أبى، وأصرَّ على عناده بهدم الكعبة؛ فحينئذٍ، ولمَّا لم يعد من جدوى في متابعة التفاوض[*]، خرج عبد المطلب مع جماعته وهو يبيّن ما هم عليه من العزة والكرامة، فأنشد بيتين من الشعر:
لنا نفوسٌ لِنَيْلِ المجدِ عاشقةٌ
فإنْ تسلَّتْ أَسَلْناها على الإبِلِ
لا ينزِلُ المجدُ إلاَّ في منازِلِنا
كالنَّومِ ليس له مأَوىً سِوَى المُقَلِ
ثم انطلق سيّد قريش وجماعته، ليخبروا أهل مكة بما جرى معهم. ونوديَ في الناس بالخروج إلى شعاب مكة، والاختباء في جبالها، تحرّزاً من بطش ذلك الجيش. بينما ذهب عبد المطلب يستعين برب البيت، فوقف يمسك بحلقتي باب الكعبة، وهو يدعو بقلب ملهوف، ويبتهل إلى الله أن يحمي بيته، وأهل مكة، ويهزم ذاك الملك الطاغية.
وكان مما قاله عبد المطلب وهو يتشبَّثُ، ويشدُّ بالحلقتين، مستغيثاً، مستجيراً:
لاهُمَّ[*] إن العبدَ يمنَعُ
رحْلَهُ فامنعْ حَلالَكْ[*]
لا يغلِبَنَّ صليبُهُمُ
ومِحالُهُم عدْواً مِحالَكْ[*]
لم أستمِعْ يوماً بأرجَسَ
منهُمُ يَبغي قِتالَكْ
جَرُّوا جموعَ بلادِهِمْ
والفيلَ كي يَسْبُوا عيالَكْ
قَصَدُوا حِماكَ بكَيْدِهِمْ
جَهْلاً وما رَقَبُوا جَلالَكْ
إنْ كنتَ تاركَهُمْ
وكعبَتَنا فَأَمْرٌ ما بَدا لكْ
وقبع أهل مكة في الشعاب ومشاعر الخوف والقلق تسيطر عليهم.. فهم وإن كانوا أهل قتال، إلاَّ أنَّه لا قِبَلَ لهم بمواجهة هذا الجيش، الذي إن قاوموه، فقد لا يترك حجراً ولا مدراً، إلاَّ هدمه، ولا يدع شيخاً ولا ولداً إلاَّ قتله..
وحان الوقت، وما زال أبرهة الأشرم مصرّاً على عناده وضلاله، فدعا إليه بفرسه، ثم أمَرَ أن يسوقوا الفيل إلى مقدمةِ الجند - على نحو ما يفعل في حروبه، لينزلوا إلى الكعبة فيهدموها.. ولكنَّ المفاجأة التي لم تكن بالحسبان، عندما بلغ وادي محسر بين المزدلفة ومنى، وُقوفُ الفيل الكبير مسمَّراً في مكانه، وكأنه يعلن لهم أنه لا يريد التقدم ولو خطوةً واحدة بالاتجاه الذي يدفعونه إليه.. ولم يقف أمر الفيل عند ذلك الحدّ، بل برك على الأرض لا يرغب بحراك، مما جعل أبرهة يصيح في جنده ليعالجوا أمره بالسياط، فما كان من هذا الحيوان الأعجم، وقد ألهبَ جسمَهُ ضربُهم الشديد، إلاَّ أن وقف على قوائمه، ثم استدار بجسمه إلى الوراء، ليسارع في الهرب بالاتجاه المعاكس للكعبة - أعزها الله ـ، وكانوا كلما وجَّهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول، وإذا صرفوه إلى الكعبة برك.. وبينا أبرهة وجنوده على تلك الحالة، وقد أذهلهم هذا الفيل، إذا بالمفاجأة الأدهى التي لم يكونوا ليتوقَّعوها، أو ليتوقعها أحدٌ من العالمين - تحلّ وبالاً عليهم: - عندما رأوا جماعات من الطيور، لا يدرون من أين أتت وكيف، تحلّق فوقهم بشكل منتظم، وكأنها السحاب المتقطع، حتى ملأت الجو، وهي ترميهم بحجارة صغيرة مثل العدس أو الحمّص، تنزل مثل السهام، فلا يصل حجر منها إلى رأس جندي أو بدنه إلاَّ وخرقه، وجعل القيْح يسيل منه على الفور، ثم لا يلبث لحمه أن يأخذ بالتملّع، كما يتمزق الثوب البالي لمجرد اللمس..
لقد جاءت تلك الطيور تحمل الموت الزؤام، فراح جنود الضلال يتساقطون أفراداً وجماعات، دون أن تفلح محاولاتهم للهرب، لا بل كانوا كلما أمعنوا في الهربِ أشتاتاً لاحقهم البلاء المبين، فلا يذر أحداً من غير أن يفتك به، ويحيله كتلة من اللحم المهترىء على الرمضاء..
وقد تحامل أبرهة - من شدة كيده - على آلامه، والأمل يحدوه بأن يعجّل بالرجوع على جواده ليبلغ صنعاء، حتى يجد من يداويه، وينجيه من هذا المصاب الجسيم الذي حلَّ به.. ولكن من أين له ذلك، وربُّ السماء فوقه، يرقبه من عليائه، فيأمر ملك الموت أن يسوق ذلك الكافرَ، وهو على عذابه حتى يصل إلى دياره، فيزهق نَفسَهُ الخبيثة مثل خبث لحمه الذي تمزَّق على جسده، ثم ليهوي صريعاً مخذولاً.. فإلى جهنم وبئس المصير..
تلك كانت قصة أبرهة الحبشي، عندما جاء يريد هدم البيت الحرام، وما حلَّ به وبجنوده من هلاك بحجارة من سجّيل، جعلَهمُ الله تعالى بها كعصف مأكول.. وهي القصة التي أرادَ البعض أن يؤوّل الخارقة الكبيرة التي حصلت فيها: على أن الطيور قد حملت معها مرض الجدري أو الحصبة، أو أن الحجارة من الطين كانت ملوثة بميكروبات قاتلة.. بينما في الحقيقة، لم تكن الطيرُ الأبابيل إلاَّ جنداً من جنود الله تعالى، وآيةً من آياته العظمى، وأن الحجارة من سجّيل ما هي إلاَّ حجارة عادية صغيرة، قد أودع فيها العلي القدير المادة الخارقة التي لا يستطيع العقل البشري أن يدرك كنهها، والتي تفتك من فورها بالجسم على النحو الذي يمزّقه أشلاءً ويؤدّي به حتماً إلى الفناء.. فلم يكن الحدث عادياً، كي تأتي معالجته عادية ووفقاً للسنن المألوفة التي يراها الناس كل يوم في حياتهم، بل كان حادثاً غير عادي، لأنه يُراد به هدم بيت الله تعالى، فكان لا بدَّ من معالجته بأسلوب غير عادي، وبسنّةٍ غير عادية، تخرج على مألوف البشر، فكانت تلك الطير الأبابيل وما تحمل من حجارة من سجّيل، لتبيد الجيش الذي يريد هدم الكعبة - أعزَّها الله تعالى.
أجل، هكذا كان الحدث الذي أرادهُ الله تعالى برهاناً دامغاً لكي يُبقي بيته حرماً آمناً، وملاذاً للناس يقصدونه على الدوام للتخلص من أمراضهم النفسية ومن خطاياهم الدنيوية، شرط التوبة الصادقة، والنية الخالصة، وطلب المغفرة، والرضى والقبول من الباري عزَّ وجلَّ.
والقرآن الكريم، كتابُ الله العزيز، يحفظ حادث الفيل، في آياته البيّناتِ، ليحذّر الطغاة في كل زمان من أن يعتدوا على حرمات الله، وإلا فإن مصيرهم سيكون كمصير أصحاب الفيل، فيقول سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ *أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ *وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ *تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ *فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ *} [الفِيل: 1-5].
وقد شهد ذلك الحادثَ أهلُ مكة بأعينهم، وعلمته العربُ، وغير العرب. وقد انقضى بسرعة عجيبة، فنزل أهل مكة من الشعاب والجبال مطمئنين إلى حفظ الله ربهم لحياتهم، ولكعبتهم. وذهب عبد المطلب والشيوخ والعقلاء يطوفون حول البيت، وهم يعظِّمونه، ويحمدون ربَّهُ الذي حماه، وحماهم من كيد الطغاة الباغين.
وقد عظّمت العرب قريشاً بعد حادث أصحاب الفيل وقالوا: «هم أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم مؤونة عدوّهم»[*].
ولقد كان من شهرة عام الفيل، الذي وقع سنة 570 ميلادية، أن أرَّخ أهلُ مكة به، إلاَّ أن ذلك كان لمدة من الزمن لا تتجاوز بضعَ عشرات من السنين، ليعودوا ويؤرخوا، بعد الهجرة النبوية، بتاريخ جديد ناصع يكتب المجد على صفحات الزمان بأحرف من نور الإيمان.. ومن شواهد عام الفيل التي تحمل دلالة خاصة ومميزة أن آمنة بنت وهب قد عايشت ذلك الحادث بكل مروِّعاته وروائعه، فهربت إلى الشعاب، وباتت في العراء، وأحسَّت بقدرة رب الكعبة الشريفة، وهو يدفع عنها، وعن أهل مكة جميعاً البلاء، فأوت إلى رحمة الله تعالى تنتظر الفرج والخلاص، وجنينها في الأحشاء يزيدها اطمئناناً، ووثوقاً بانتظاره عندما يطل على هذه الدنيا، وقد أشرفت مدة حمْلها على النهاية.
مولد محمد بن عبد الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)
اختلفت الروايات في تاريخ مولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، فمنهم من يرى أن مولده كان يوم السابع عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل (570م).. ولكن المشهور عند أغلبية المسلمين أنه ولد يوم الإثنين الواقع فيه الثاني عشر من شهر ربيع الأول في عام الفيل (20 أغسطس سنة 570 ميلادية). ففي ذلك اليوم المبارك أحست آمنة بنت وهب أنها على وشك الولادة، فقامت تحضِّر نفسها للأمل الموعود، ثم أرسلت جاريتها بركة (وتكنَّى أم أيمن) إلى دارة الشفاء، وهي لأم عبد الرحمن بن عوف، أشهر قابلات مكة يومئذٍ، كي تكون بجانبها ساعة الوضع. وجاءت أم عبد الرحمن على جناح السرعة لتجد آمنة على غير المألوف من عادة النساء في مثل تلك الحالة، حيث تكون فترة الولادة أدقَّ وأحرج الفترات على الإطلاق في حياة الحامل، إذ إنها تعيش في صراع بين الموت والحياة لشدة الآلام التي تعاني. وكثيرات من النساء يُضْمِرْن في تلك اللحظات أنهن لن يحملن بعدُ أبداً، ولكنَّها الأمومة التي تنسيهنَّ كل كربٍ وشدة، فيعُدْنَ إلى الوظيفة التي أعدَّهنَّ الخالق العظيم لها، ويعاودن الحمل والإنجاب..
لقد دخلت أم عبد الرحمن على آمنة راكضة لاهثةً، فإذا بها أمام سيدة تجلس على فراشها هادئة، مستبشرة، يغطي وجهها الحبور، وتكتنف محيّاها الطمأنينة، فترمق أمَّ أيمن بنظرةِ غضبٍ ودهشةٍ، وهي تظن بها شتى الظنون، لولا أن أدركت آمنة ما يزعجها، فتداركت الموقفَ وهي تقول لها: أنا من أرسل في طلبك يا أم عبد الرحمن، وليس في الأمر مزاح أو مداعبة.. فيتضح الموقف لأمّ عبد الرحمن ويتأكد لها أنَّ آمنة على وشك الولادة، فتجلس بقربها. ولكن الدهشة ما تزال تأخذها، لأنها أمام امرأة لا يظهر عليها أثرٌ يدلُّ على أنها في ساعة الوضع..
وتسأل أم عبد الرحمن عن أمنية آمنة وهل ترغب بوليدٍ ذكرٍ أو أنثى؟ فتقول لها بلهجة مطمئنة واثقة: بل أراه في أحضاني ابناً حبيباً، سويَّ الخلق، كاملَ الوصف، بفضل الخالق العظيم يا خالة!.. ولا يدوم الحديث طويلاً بين السيدتين، إذ سرعان ما ترى أم عبد الرحمن أن أنظار آمنة قد تعلقت في السماء وهي تردّد: أعنِّي يا ألله، أعنِّي يا ربّاه..
ويخرج المولود مباركاً، نقيّاً، نظيفاً.. بلا ألم من الأم، ولا دم نفاس.. وبلا بكاءٍ منه ولا صراخ، بل وكان مولده المبارك على غير المألوف من مواليد بني البشر، لأنه أطلَّ على هذه الحياة وقد تلقَّى الأرض بمساجده السبعة وسبّابته إلى السماء مقرّاً بالعهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم جميعاً وهم في عالم الذرّ مصداقاً لقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ *} [الأعرَاف: 172]، وموقناً بالميثاق الذي أخذه الله تعالى على النبيين وهم في صلب آدم، مصداقاً لقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا *} [الأحزَاب: 7].
نعم لقد وُلِد محمد بن عبد الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وفي ذاته الصلة التي تربط العبد بربه برابطة العروة الوثقى التي لا انفصام لها، وفي نفسه التعبّدُ والخشوع للملك القدوس العزيز الحكيم، تماماً كما هو الشأن مع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وسائر النبيين والمرسلين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) من لدن آدم وحتى خاتم النبيين محمد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
أجل، هكذا خرج الوليد «محمد» إلى الدنيا، فكان من غير الطبيعي ألاَّ تؤخذ مولّدته أم عبد الرحمن بهذا المشهد الفريد، الذي لم ترَ مثيلاً له في سابق عهدها من الولادات التي أجرتها، إذ وحدَه هذا الطفل، ابن آمنة بنت وهب، مَن أطلَّ على الدنيا متلقياً الأرض بالسجود والخشوع.. ويزيد في رونق رؤيته على تلك الحالة هذا النور الذي يرافق مولده، وهو يغطي المكان كله، ويسري من هناك لينير الكعبة وجوانبها، ثم ينتشر ليصل إلى المدى الذي لا يعلمه إلاَّ باعثُهُ سبحانَهُ وتعالى..
وتتساءل أم عبد الرحمن في نفسها:
أيّ سرٍّ هذا الذي ترى، ويأخذ بالألباب؟
إنها - ولا ريب - لا تعرف له تفسيراً..
أما آمنة، أم المولود، فلم يدهشها ما ترى، ولم تعجب لما يجري، فكأنها وهذا النور على الموعد، وهو لحظة ولادة ابنها.. وأما سرّه فربما تعلمه، وربما لا تعلمه، ولكنها على يقين بأن هذه اللحظات من حياتها إنما تحمل من الأمارات الحسية ما ينبىء عن شأنٍ عظيم لوليدها، ولسوف يكشفه مقبل الأيام، وحينما يشاءُ ربُّ الكون العظيم.. هذا هو يقين آمنة بنت وهب، ولذلك نراها تظل على رونقها وفي إشراقة وجهها، فلا تطلب إلاَّ شيئاً واحداً وهو أن تضم وليدها إلى أحضانها، فتأخذه وتتأمل وجهه المضيء، ونفسها تسيل حناناً عليه ولهفة، ثم تتوجه بالحمد والشكر لربِّ السماوات والأرض على ما تكرَّم به من عطائه وفضله، وما به منَّ من نعمةٍ فيّاضةٍ من عليائه..
أجل لقد «ولد الهدى والكائنات ضياء» في المحلة التي كانت تعرف باسم «سوق الليل» من «شعب بني هاشم، في الدار التي اشتراها محمد بن يوسف، أخو الحجاج، من ورثة عقيل بن أبي طالب (رحمه الله تعالى) بمائة ألف دينار ثم صيّرتها الخيزران، أم الرشيد، مسجداً يصلي فيه الناس، ويزورونه، ويتبركون به»[*].
ومن هذا البيت المتواضع طار الخبر إلى عبد المطلب وهو عند الكعبة، فحمله على أجنحة الشوق، غير عابئ بدهشة الناس، وهم يرون ابن السبعين ونيّفٍ مندفعاً على تلك الحالة من العجلة والحيوية، إذ لم يكن همُّهُ الناس، وما قد يظنون به من الظنون في تلك اللحظات، بل همُّه الوصولُ إلى بيت آمنة، وضمُّ حفيده إلى قلبه.. وطابت نفسُ الشيخ الوقور برؤية حفيده، فاستكان إلى جانب آمنة هادئاً، هانىء البال، وكأنَّ الجزء الذي افتقده من قلبه يوم موت ابنه عبد اللّه قد عادَ إليه، ولكنه لم يلبث طويلاً في جلوسه، بل قام يحمل طفله إلى الكعبة، ليطوف به سبعة أشواط حولها، ثم يدخل به إلى جوفها، يعوّذه من كل هامّةٍ ولامّةٍ ويحمد الله رَبَّهُ على ما أعطاه، وهو يقول:
الحمد للَّهِ الذي أَعْطَانِي
هذا الغُلاَم الطيّبَ الأَرْدانِ
قَدْ سادَ في المَهْدِ عَلى الغِلْمانِ
أُعيذُهُ بالبيتِ ذي الأركانِ[*]
وجلس عبد المطلب عند الكعبة، وقد بدا عليه الحبور بأعلى درجاته، فجاء أهل مكة يجتمعون إليه، ويقدمون له التهاني التي تعبّر عن مشاعرهم، وفرحهم لفرحه بحفيده..
وإنه لمن الإنصاف أن نقرّ لأهل مكة بصدق الشعور تجاه شيخهم عبد المطلب، فالكل كان يعرف مقدار حرقته على ولده عبد اللّه، وها هم يرون كيف أن الحياة بانتصارها على الموت، تُحيي في هذا الشيخ الوقور - وفي كل إنسان عاش ظروفه - جذوة الأبوّة، فيجد في حفيده استمراراً لحياة أبيه الراحل.. ولا ضيرَ أن يكون هذا الجدُّ، وهو سيد القوم، وذو الوقار والمهابة، على مثل هذه السعادة، فمثل هذه الجذوة في النفس الإنسانية لا تفرق بين سيّدٍ أو وضيع، وبين كهلٍ أو شاب، لأنها تنبع من أعماق الإنسان، وتسري مع نبضات قلبه، لتؤكد أن نظام الحياة الذي أوجَده الخالق العظيم إنما يقوم على غريزة البقاء، التي لا تكون إلاَّ بالخلف والأبناء، فإذا طرأ ما يخلُّ بالانتظام الطبيعي لمجرى الحياة، ثم حصَل ما يقوِّم الخلل، فإنَّ ردَّة الفعل في المشاعر الإنسانية تكون قوية، ولا بدَّ أن يعبّر عنها الإنسان بمظاهر الانفعال الذي يغلب عليه... ولذلك كان عبد المطلب في تلك الساعة من أسعدِ خلقِ الله تعالى. ولذلك لم يخامر أهلَ مكة أيُّ شكٍ بشأنه وهم يرونه على تلك الحالة من النشوة، بل لقد زادتهم حالتُه ثقةً به، واطمئناناً إلى مصيرهم، لأنها قد أحدثت فيه دفعاً جديداً، يقوى به على خدمة مصالحهم ورعايتها.
ويعود عبد المطلب بحفيده، ويجلس إلى أمّه يتحدثان ويتسامران، فتخبره بأنه رؤيا كانت تأتيها في المنام ويهتف بها هاتف وهو يقول لها: «يا آمنة إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع على الأرض فقولي: «أعيذه بالواحد من شرِّ كل حاسد»، ثم سمِّيه محمداً»[*]. وأنه كان يتراءى لها كلما عاودتها الرؤيا، بأنها ترى، وهي تضع حملها، نوراً يشعُّ ويُضيء أرجاء مكة كلها، ومن ثَمَّ ينتشر هذا النور ليصل إلى بقاع بعيدة في الأرض..
وتسكت آمنة قليلاً ثم تعقب بقولها: وها إنني اليوم، وعندما وضعت ولدي جاء النور وغمر كل شيء من حولي.. أجل يا عمّاه، لقد رأيت النور نفسَهُ اليوم بأم العين، وإنه - والله - ليبهر الأبصار بضيائه البرّاق، فأرجو أن يكون أمارة خير في حياة ابني، بل وفي حياة أبناء عشيرته، وأهل مكة جميعاً.. ويستمع عبد المطلب إلى آمنة، فيقول لها:
- وأنا لا أُخفي عليكِ يا عمَّاه أنني طويت في نفسي رؤيا مماثلة.. فقد كنت أرى في المنام، وأنا أغفو بجوار الكعبة، كأن فيضاً من نورٍ يخرج من ظهري، فيغلب أشعة الشمس، وطرفاه يمتدان ما بين الأرض والسماء.. وتارة أخرى كنت أرى وكأنَّ شجرةً كثيفة الأغصان والأوراق ترتفع بجانب الكعبة، وتنبعث منها أنوار تتلألأ في الآفاق، فتنير الظلمات، وتنشر على الناس الرحمة والأمان...
واتّفقت رؤى الأم، مع رؤى الجد، وصدّقا بالرؤيا، فسمّيا وليدهما: محمداً.. وتحققت كلمة الله (تعالى) يومَ وُلد محمد بن عبد الله.
ولن نتوقف لمناقشة تلك الرؤى، لأن حياة أنبياء الله - عز وجل - وحاملي رسالاته إلى بني آدم، حافلة بالآيات الدّالة المبينة لمن شاء أن يذّكَّر أو أن يلقي السمع وهو شهيد. فإبراهيم الخليل (عليه السلام) جاءته الرؤيا بذبح ابنه إسماعيل، فصدّقها، ومضى طائعاً لا يثنيه شيءٌ عن إنفاذ أمر ربه تبارك وتعالى، لكي يتحقق وعد الله فيكون محمدٌ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من نسل إسماعيل (عليه السلام).. وأم موسى (عليه السلام) جاءتها الرؤيا أن ألقيهِ في اليمّ، فآمنت، ووضعت وليدها موسى بصندوق ثم ألقته في نهر النيل العظيم تصديقاً للرؤيا، ليتربى هذا الوليد في قصر فرعون بالذات ثم ليكون خلاص بني إسرائيل من ذلك الطاغية على يديه.. ويوسف الصديق (عليه السلام) قد رأى في المنام أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين. وقد تحققت رؤياه بعد أن صار عزيز مصر، وأعادَ الله إليه إخوتَهَ الأحدَ عشر وأمَّهُ وأباه من فلسطين بعد سنين عديدة من بعاده القسريّ عنهم..
وهكذا هي رؤى الصدّيقين، وعلى وجه الخصوص الناس من المؤمنين الذين يختارهم الله (تعالى)... فهي دلالات سابقة على ما يشاء سبحانه وتعالى، وما سوف ينشأ في حياة الناس من أحداث هامة تكون السبيل لهداية النفوس وتغيير المجتمعات البشرية نحو الأفضل، تماماً كما هو الحال في رؤى آمنة وعبد المطلب التي لم تكن إلاَّ تعبيراً عن البشارات التي حملتها الرسالات السماوية من قبل، وما أنزل الله - عزّ وجلّ - في التوراة والإنجيل من وجوب اتباع النبي الأمي الذي يأتي من بعد موسى وعيسى واسمه محمد أو أحمد.. وإن دلَّ هذا التنزيل من الله الحكيم على شيء، فإنما يدلُّ على الشأن العظيم لصاحب هذا الاسم، لأن لفظة «محمد» مأخوذة من الحمد، والتحميد فوق الحمد، فمعناه: المستغرق لجميع المحامد، لأن التحميد لا يستوجبه إلاَّ المتولي على الأمر في الكمال. وهي صيغة تكريم وتفضيل لأنها تعني تجدُّدَ الحمد، وحدوثَه وقتاً بعد آخر. والحمد لا يكون إلاَّ نتيجة لعمل خير، فيكون اسم «محمد» دالاًّ على أنه عامل للخير دائماً وأبداً، وهو الخير الذي يقتضي ثناءً وحمداً دائميْن مستمريْن. ولقد أكد القرآن الكريم هذه الصيغة بقوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} [الأحزَاب: 56].
فالصلاة من الله تعالى، ومن ملائكته المكرمين على النبي محمدٍ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) تعني الثناء والرحمة، وهي أمرٌ إلى المؤمنين بأن يحمدوا هذا النبي، ويسلّموا عليه. وبذلك كان «محمدٌ» خيرَ خلق الله كلِّهم، بما استحقَّ لذاته، وبما تفضَّل ربُّه عليه من مكرمات جعلته خاتم النبيين.
»وفي سابع يوم لمولد محمدٍ ختنَهُ جدُّهُ عبد المطلب كما كان العرب يفعلون، وقيل: إنه وُلد مختوناً»[*] - وهو الأصح ـ؛ «وأمر عبد المطلب بجزور فنُحرت، ودعا رجالاً من قريش فحضروا وطَعِموا، فلما علموا منه أنه أسمى الطفل محمداً، سألوه لِم رغب عن أسماء آبائه؟ فقال: أردت أن يكون محموداً في السماء لله وفي الأرض لخلقه»[*].
وكان من عادة أهل مكة أن يدفع أشرافُها مواليدهم إلى المراضع في البادية لمدة من الزمن، فينشأون في أجواء الطبيعة الفسيحة، ويتنشقون الهواء النقي، فيكتسبون الصحة السليمة، وتنطبع في أذهانهم لهجة اللغة العربية بصفائها، وفصاحةِ لسانها وجمالِ بلاغتها وبيانها. هذا فضلاً عن أنَّ الأمهات يتفرّغن لشأنِ أزواجهنّ، في وسطٍ كانت أنانية الرجل انعكاساً لقساوة البيئة، وجفاف الصحراء.. وذلك بخلاف أمهات اليوم، ولاسيما نساء الطبقة الغنية الموسرة، اللواتي لا يُرضعن أطفالَهنَّ إما حفاظاً على جمالهنَّ، وعدم تهدّل أجسامهن وترهُّلها من الرضاعة - كما هو الظن السائد - وإما لأن الأم تعمل خارج المنزل، وهي قد دخلت مجال الأعمال من بابها الواسع، وإما لأن حياة الأزياء وارتياد الصالونات وحضور الاحتفالات، ورحلات السفر تحول دون إرضاع الطفل. بل والأسوأ من ذلك إلقاء تبعة تربيته على عاتق المربيات والخدم، لتحلَّ رضاعة القنينة والحليب المجفف محل صدر الأم، فكان محتماً أن يتضاءل الحنان في قلوب الأمهات وأن تجفو طباعُ الأبناء. وتكون النتيجة، - كما نرى - عدم الاعتناء بالأطفال، وعدم الاهتمام بالأزواج، وبالتالي تفكُّك الأسرة، وانعدام الروابط العائلية، والانحراف الذي تتخبط فيه الأجيال.
أما آمنة فلم تكن تعنيها كل تلك الأمور بشيء، فهي فقيدة الزوج، وبعيدة عن مشاغل الأعمال، وليس في حياتها ما يدفعها إلى التماس المسرّات والظهور، ولكنها بحكم موروث العادات التي لا تستطيع أن تخرقها، كان عليها أن تقبل وتدفع بابنها إلى إحدى المراضع في البادية، لاسيما أن ابنها حفيد عبد المطلب سيد الأشراف، بل وسيد مكة بأسرها...
محمد الرضيع
ومضت بضعة شهور، وآمنة بنت وهب ترعى وليدها بين أحضانها، وترضعه من لبنها، وتحنو عليه بجوارحها وهي تهيّىء نفسها لتلك اللحظة الحرجة التي تأتي فيها المرضعة وتحمل هذا الوليد بعيداً عنها.. وأخيراً جاء الموسم، وأقبلت مراضع بني سعد، لتأخذ الأطفال من مكة لقاء الأجور والعطايا التي تُدفع لهنَّ...
وكانت حليمةُ بنت أبي ذؤيب، قد جاءت هي الأخرى مع زوجها يلتمسان رضيعاً من أشراف القوم ولاسيما في هذا الموسم الذي كانت البادية قد تعرضت فيه للقحط والجفاف، وكانت دهماؤه على بيت هذه المرأةِ أقوى، فعانت وعائلتها من شدة الجوع ما يضني، حتى كانوا أحياناً لا يجدون ما يبلّون به الريق، أو يسدّون به الرمق.
وراحت أم أيمن - جارية آمنة - تفتش عن مرضعةٍ تحنو على الطفل بعطفها قبل لبن صدرها، فكانت المراضع تعزف عنها عندما تسمعُ كلمة «يتيم»، لأن اليتم - في نظرهنَّ - معناه الفقر، وعدم الحصول على المال والهدايا التي جئن من أجلها. فلم تشأ واحدة منهنَّ أن تستمر في محادثة أم أيمن لمجرد سماعها أن الطفل الذي تبحث عن مرضعة له هو يتيم، أو أن تكبِّد نفسها مشقة معرفة من هو هذا الرضيع الذي تُعرض عنه لمجرد يتمه.. ولو كنَّ يعلمن أن جدَّه هو عبد المطلب، شيخ قريش الذي يقري الضيف، ويمنع الحيف لكُنَّ تقاتلن على أم أيمن، وتسابقن إلى بيت الرضيع للحظوة به..
ويبدو أنَّ حليمة بنت أبي ذؤيب قد حاولت عبثاً أن تجد رضيعاً، فلم توفّق لأن ضعْفَ عودها، وهزالَ جسمها، وسوءَ الحالة التي تظهر عليها، قد صرفت الأنظار عنها، فأحسَّت باللوعة والأسى. ولكن من أين لها أن تدري بأن علاَّم الغيوب هو الذي صرف الناس عنها لمظهرها، لأنه - سبحانه - قد أعدَّها لتكون مرضعاً لأكرم خلق الله كلهم.. فبينما هي تقبع مع زوجها، في إحدى الزوايا، يندبان حظهما، ويتحسران على حالهما، والمرارة تأكلهما، إذا بامرأة تتقدم منهما، وتعرض عليهما أن تكون حليمة مرضعةً لطفل هو من سادةِ القوم أمّاً وأباً، وإن كان أبوه قد توفي، إلاَّ أن جده هو سيد مكة والقوم طرّاً.. ولم تكن حليمة لتحتاج إلى كل هذا التعريف، والشرح عن الطفل، فقد أحسَّت عندما ذكرت أم أيمن اسمه «محمداً» أن نفسها تنازعها إليه قبل أن تراه، فراحت تحثها على مسارعة الخطى لتصل إلى البيت الشريف، والطفل الحبيب..
وتعرف آمنة من هذه المرأة التي دخلت عليها، أنها حليمة بنت أبي ذؤيب، وأنها زوجة الحارث بن عبد العزى من بني سعد بن بكر بن هوازن، وأنها وإن كانت تبدو امرأة نحيلةً فقيرة، إلاَّ أن حديثها وكياستها يدلان على أنها إنسانة طيبة، رؤوفة، رحيمة. فاطمأنت إليها آمنة وأرسلت في طلب حميها عبد المطلب فجاء، وأقرَّها على أن تحمل حليمة السعدية حفيدهُ، وهو يقول لهذه المرأة: «أنا جده، أقوم مقام أبيه، فإن أردت أن ترضعيه دفعته إليك، وأعطيتك كفايتك»[*].
فقالت حليمة: واهٍ يا مولاي، إنه الشرف والله لي ولعائلتي أن أرضع ابنك. فإن دفعته إليَّ يا سيد قريش فتلك منى القلب، وسوف أكون خير مرضع، وخير أمٍّ لطفل نبيلٍ، ابنِ نبلاء.
وكانت حليمة قد جاءت على أتان قمراء، هزيلة، وزوجها على ناقةٍ مسنّة عجفاء، لا تكاد إحداهما تقوى على السير، فكانت مرضعات بني سعد تتقدم عليهما مسافات طويلة في الطريق، وهنَّ يرثين لحالهما.. أما الآن والركب عائد إلى مضارب بني سعد، فإن الحال قد تبدَّل، وتغير كل شيء بالنسبة إلى حليمة وزوجها، فهما يبدوان سعيديْن، فرحيْن، لما نالا وحصلا عليه. وأما هذه الأتان وتلك الناقة فكأنما دبَّتِ الحياة فيهما من جديد وهما تقطعان الركب، وتغُذّان السير بسرعة أذهلت النساء جميعاً، فكان بعضُهنَّ ينادي على حليمة قائلاً:
- ويحك يا ابنة أبي ذؤيب، انتظرينا، أليست هذه أتانَك التي كنتِ خرجتِ عليها؟!
وكانت حليمة تجيب: بلى والله إنها أتاني.. ولكن ما إن وضعتُ هذا اليتيمَ في حجري حتى شعرت بأني أخذت نسمةً مباركةً، فأقبل عليه ثدياي باللبن.. وما ركبت هذه الدابة إلاَّ ووثبت بي كأنها لم تعرف عَجَفاً، وإنَّ ناقة زوجي لأحسن حالاً كما تَرَيْن!..
وبين ليلة وضحاها تبدلت الأحوال في بيت حليمة من الفقر والجوع والقهر إلى شعور بالأنس والرجاء وإلى كفايةٍ في المؤونة.. ثم تقبل الأيام، وتصدق المشاعر لدى عائلة الحارث بن عبد العزى، إذ منذ دخل الرضيع محمدٌ هذا البيت بدأ العسر يسحب أذياله، والفقر يلملم أطرافه من زواياه، فعمل الحارث في رعي الطروش والمواشي لشيوخ بني سعد، ثم اشترى نعاجاً له، فما إِنْ جاء الموسم حتى ولدت توائم، وفاض الخير والبركة على بيته بآياتٍ قد تعمى على الناس أسرارُها.. بخلاف حليمة فإنه لم يكن ليخفى عليها وعلى عائلتها بأن تلك النعمة التي أدركوها إنما كانت مكرمة لهذا الرضيع، فصار «محمد» الابنَ الغاليَ للعائلة كلها، وموضعَ الرعاية والعناية من جميع أفرادها.. فإن نامَ رانت على البيت السكينة، وإن أفاق سارعت الشيماء - بنت حليمة - تحضنه قبل أمها. أما ربُّ البيت فلا يهنأ له عيش عندما يرجع في المساء، قبل أن يحمل محمداً ويُشبع نفسَهُ منه شمّاً ولثْماً. وإنَّ ملاطفته ومداعبته - وهو يضحك له - كانت تبعد عنه أتعاب النهار، فينام هانئاً قرير العين.
ولم تكن عائلة الحارث بن عبد العزى هي وحدها التي نعمت من بركات الرضيع محمد، بل إن قبيلة بني سعد بأسرها قد لمست مكرماته، ونالت من وجوده بين ظهرانيها خيراً عميماً: فقد هطل المطر في تلك السنة، فانحسر الجفاف عن باديتهم، وامتلأت مراعيهم بالعشب، وحمل نخيلهم أضعاف ثماره، وكثرت أنعامُهُم وخيراتها. فصارت بركات الرضيع موضع أحاديث أبناء القبيلة جميعاً، وحُبُّه مِلءَ قلوبهم، فلا يتمنون شيئاً أكثر من بقائه في ربوع مضاربهم..
ولكن سرعان ما تكرّ الأيام وتجد حليمة السعدية أن حولَيِ الرضاعة قد قاربا على النهاية، وأن عليها أن تعيد الطفل إلى أهله في مكة، كما كان متعارفاً عليه، فباتت وعائلتها يتحضَّرون للساعة المريرة التي تنزع منهم عزيزاً لم يجُد الزمان بمثله قط.
محمد الطفل
وحانت ساعة الوداع، وتحلّقت عائلة الحارث بن عبد العزى حول الطفل الميمون، والحزن يخيّم على البيت، والوجومُ يحيط بأجوائه، فلا أحد يسمع إلا زفرات وعبرات، ولا أحد يشعر إلاَّ بتعاسة وشقاء. إنهم حقاً لا يطيقون الصبرَ على فراقه، حتى هذا الصغير عبد الله بن الحارث الذي كان يرضع كل يوم هو ومحمد من صدر أمهما حليمة قد أفاق في تلك الصبيحة الباكرة، وهو يصرخ ويبكي على غير عادته في العامين من عمره. وأما السبب في بكائه فأمّه حليمة وحدها تعرفه، إنها أحاسيس الأطفال في سِنِيِّهم الأولى التي تدفعهم للبكاء أو الضحك، من دون أن تكون لنا نحن الكبار القدرة على إدراك تلك الدوافع، اللهمّ إلاَّ الأُم التي وحدها يمكن أن تشعر أحياناً بما وراء انفعالات أطفالها، كما هو الحال مع حليمة التي أدركت أن وراء بكاء ولدها عبد الله في تلك الساعة هو حركة العائلة كلها لتوديع أخيه «محمد». ولكن ماذا بيدها أن تفعل، فلو قدّر لها، أو لكل فرد في بيتها أن يحقق ما يأمل، لما تمنَّى أن يفارق «محمداً» أبداً... إلا أن الأمانيَّ شيء، والواقع شيء آخر، والرضيع يجب أن يُعاد إلى أهله في مكة، فما على عائلة الحارث إلا الرضوخ لهذه الحقيقة، حتى ولو كان فيها مرُّ العذاب. وكان الفراق، وحملت حليمة السعدية رضيعها محمداً بين أحضانها، وانطلقت به وهي تشعر في كل خطوة تخطوها نحو مكة كأن الأرض تميد من تحتها.. ولكنها على الرغم من ذلك لم تيأس، فقد ظلَّ في نفسها أمل ورجاء يحدثانها بالخير، وما عليها إلاَّ الصبر لترى ما يخبّىء لها الغد!..
وكانت العودة التي تنتظرها آمنة بفارغ الصبر.. فما إِنْ أطلَّت عليها حليمة بطفلها حتى سارعت من مكانها تحتضنه بلهفةٍ وشوق، وتدنيه من قلبها وهي تشد عليه، وتتلمس كل جزء من أجزاء بدنه... فلا تدري أين تقبّله، ولا تشبع من تمرير رأسها على جسمه، ومداعبة أنامله الطرية لوجهها... إن مشاعرها تتدفق في هذه اللحظات وكأنها تحاول أن تعوّض مما فاتها في سنتين، فاندفعت في تلك الإشراقة الروحانية لا تلوي على شيء في الوجود، فكأنما عواطفها تسيل بين أحضانها، وكأنما دَفْق حنانها يحيلها إلى عالم آخر ليس فيه إلاَّ أمومة تذوبُ في حب الأبناء.
ويطول عناق الأم لطفلها، بينما تكون الأم المرضعة في حالة من الذهول وهي ترقب هذا المشهد بكل روعته ومهابته وجلاله، فتأخذها من جرائه رهبة الارتعاش، ولشدة تأثرها تخور قواها، وتخونها رجلاها فتجثو على ركبتيها وهي تشرق بالدمع.. فما تصورت قط أن يبلغ وجْدُ هذه الأم على وليدها مثل هذا القدر، بعدما بدا واضحاً أمامها أن طفل آمنة يستغرق كل كيانها، وأن حياتها لصيقة بحياته، فكأنّها لا تعيش إلاَّ له، ومن أجله لا غير.
ويسكن أخيراً غليان قلب أم «محمد» وقد امتلأت اطمئناناً، وقرَّت عيناً.. وتحين منها التفاتة، فترى حليمة على تلك الحالة من التأثر والانفعال، فتتقدم، وتأخذ بيدها، وتدنيها منها، وهي تعتذر عن غفلتها تجاهها، ثم تستغرق في الحديث معها، وهي تسألها عن طفلها، وكيف انقضت مدة الرضاعة عليه، حتى تُفرغ كلَّ ما عندها، وما كانت تحدِّث به نفسها طوال تلك المدة...
وسُرِّيَ عن حليمة، فاندفعت بدورها تخبر آمنة عن كل ما جرى في حياة عائلتها منذ اليوم الأول الذي حلَّ فيه الحبيب محمد ابناً غالياً في بيتها، وما فاضَ فيه من النعم والخيرات عليهم، بل وعلى قبيلة بني سعد بأسرها، وكيف تغيرت أحوال الناس هناك من الجدب إلى الخصب، ومن الجوع والعوَز إلى الشبع والكفاية، وكل ذلك ببركة «ابنها محمد» الذي بات وكأنه قلب القبيلة النابض.
وتمرُّ الساعات والمرأتان مولعتان بالحديث، وكل واحدة ملء جوانجها الأماني والأحلام العريضة.. فأما آمنة فجلُّ ما تُمنّي به النفس هو أن تقوم على رعاية وليدها، حتى ينشأ فتًى سوياً، بعيداً عن قهر اليتم.. وهذا ما يخيف حليمة أكثر ويجعلها تغصُّ بالكلمات، فقد جاءت والأمل يحْدوها بأن تعود بالطفل. أما وقد رأت ما رأت، وسمعت ما سمعت فتخونها الشجاعة، ولا تجرؤ على البوح بما تتمناه. لقد وقعت حليمة في المأزق، ولكن عندها من الفطنة والنباهة ما يشجعها على إبداء ما تريد، فتتنهّد طويلاً، ثم تقول لآمنة:
- لقد رأيت يا سيدتي بأم العين مدى سعادتك، وما دخل على قلبك من السرور لرؤية حبيبنا محمد، وإنّ من حقك على الحياة أن تتمتعي بمشاعر الأمومة، ولكن ما حيلتي، وفوق حبيّ الكبير له أطمع في النعمة أن تبقى في عائلتي؟ ثم ها أنتِ تدركين تأثير البادية ورحابها الفسيحة، وأجوائها النقية على الطفل في أولى سنيِّ حياته، وهذا ما يقوّي بي الثقة، فألتمس رضاك وقبولك لأعود به، وأنا أقسم على بذل قصارى جهدي ليكون بيننا سيداً حبيباً، مصاناً من خالقه وبارئه..
وتوقن آمنة بأن هذه المرأة صادقةٌ فيما تقول، ولا تخفي شيئاً مما في نفسها.. ولكن ماذا بشأنها هي؟ ألم تصبر طويلاً على عواطفها، وتتجالد على الأيام لأجل طفلها؟ فهل بوسعها بعدُ أن تتحمل بُعدَهُ عنها؟.. إنها الآن في حيرة وحرج، أتُراها ترجِّح كفة عواطفها فترفض طلب حليمة؟ أم تُغلِّب مشاعر الإنسانية، فتحقق لهذه المرضعة أمانيها؟! إن الموازنة دقيقة وحرجة: فإما عاطفة الأم لذاتها، وإما مشاعرها حيال غيرها، وكلا الأمرين له معانيه السامية عند أم محمد. ثم ماذا عن جده، ومن حقه أن يكون له الرأي الفصل، فيجعل الله بقول هذا الجد مخرجاً وفرجاً؟
وتظل آمنة على تلك الحال، وهي تغوص في أعماق نفسها تفتش عن الحل، لأنَّ أي قرار تتخذه لسوف يجلب لها الضيق، والألم. فإن هي حبست الوليد عن حليمة فلن تذوق طعماً للنوم أو الراحة لأنها تكون قد ضربت بمصلحة هذه المرأة عرض الحائط، وإن دفعته إليها فيا لَمأساتها في وحدتها!.. وفي غمرة ذلك الصراع تسمو آمنة على كل أنانية، وتغلّب مشاعر الإنسانية فتقرر إعادة وليدها إلى المرضعة، لتسجل على صفحات التاريخ أعظم موقف لأعظم امرأة في مكة. أجل إنه انتصار لآمنة فيه المجد والرفعة وهي تقيم الاعتبار الأوحد لإنسانية الإنسان في تضحيته تجاه الآخرين.. ولا تصدق حليمة وهي ترى آمنة ترنو إليها بعين العطف، مستجيبة لندائها.
إنها النفوس الكبيرة التي تصغر لديها العظائم. ولن يكون بعيداً ذلك اليوم الذي ستظهر فيه آمنة بنت وهب على أنها كانت أعظم إنسانة عندما ستشهد الدنيا بأسرها بعث ابنها محمد ليكون رسولَ الله، وحاملَ أكملِ الرسالات السماوية وخاتمتها.. ولكن بقي أمر الجدّ، وهو الذي يقلب الموازين، ولكنَّ العناية الربانية تجعل عبد المطلب يوافق بدوره، لأنه يرى في قرار آمنة مثال الصواب، لما يحمل من فوائدَ لحفيده، وأقلها إبعاد هذا الطفل، ولو لمدةٍ حتى يقوى عودُهُ، عن أجواء مكة المشحونة بالضجيج، وبما يطرأ عليها - أحياناً - من الأمراض الفتاكة.
وأخيراً تذهب حليمة بحملها الثمين، ليكون لها في التاريخ شأن وأي شأن، بسبب مَن أرضعت، ومَن حملت في حِجْرها وهي تعود إلى ديار بني سعد.
أجل لا بدَّ أن يكون لحليمة بنت ذؤيب شأن في التاريخ.. وكيف لا وقد تجلت حقيقتها مثلما تجلت حقيقة آمنة بنت وهب.
فآمنة هي حقاً الأم التي حملت «محمداً»، مثلما حملت اسمها، هذا الذي يرمز للأمانة، فكان التطابقُ المقدَّرُ كاملاً بين الاسم وما ندبت إليه من صون الأمانة التي أودعها الله تعالى في أحشائها، وما أُعدّت له من أمومةٍ للإنسان الذي سوف يملأ الدنيا بفيض أنوار النّبوّة وهدى الرسالة.
وهكذا مرضع «محمد» التي يرمز اسمها إلى الحلم.
وإنه قدرُ الله تعالى في هذه المرأة أيضاً، وهو يرصدها لأن تتجمَّل نفسُها بالقناعة والرضى، بل وبكلّ مزيَّةٍ حسنة، وأخصّها الحلم، هذا الشعور الدافق الذي يعطي للطفل من الذات، ومن الحنان والرأفة والعطف، ما يجعل الغذاءَ الروحي له أهمَّ من الغذاء الجسدي، فكلاهما يجتمعان معاً: غذاء اللبن وغذاء النفس ليكون للحلم معناه.. وهو ما أودعه الله - سبحانه وتعالى - في حليمة السعدية، وإلا فكيف اتفق أن تحمل هذا الاسم الذي يعني الحلم والسعد معاً. إنه الإلهام من الله - تبارك وتعالى - الذي جعل أهلها يسمونها بكل عفوية «حليمة» لتكون بحسب تقدير ربِّها هي وحدها من بين المراضع «أم محمد» الرضيع.
إنهما حقيقتان قائمتان في التاريخ:
الأم التي أنجبت محمداً واسمها آمنة.
والأم التي أرضعت محمداً واسمها حليمة.
ومن هاتين الحقيقتين انبثق شأن كل من المرأتين في التاريخ.
وبفضل الله تعالى ورعايته استمرت حليمة وأفراد عائلتها ينعمون بالخيرات طوال تلك المدة التي كان الطفل محمد يعيش عندهم، ويتدرج في رحاب البادية وآفاقها الصافية النقية، فقد عاش أولى مراحل الطفولة على الصفاء والألفة، وعلى محبة أترابه من الأطفال، في مضارب بني سعد، فكانت له - كما يفترض أن يكون للأطفال - مجالات الحرية في الهواء الطلق، وفي أحضان الطبيعة، بعيداً عن جدران البيت التي تشكل أسوار الضيق والأَسْرِ لأطفال المدينة الحاضرة...
أجل، تلك هي الأجواء التي هيأها الله تعالى لينعم محمد بن عبد الله بطفولة سليمةٍ وسويةٍ... إذ على الرغم من طبيعة البادية القاسية، فقد كانت الحرية متنفس حياته وناموسها، والنقاء توأم عيشه، ينحدر إلى اللعب في الرمال فيجعلها فراشه، ويتمدد تحت أشعة الشمس المحرقة، فيجعلها غطاءه. وقد يقطع أرض الواحة في يومه والنفوس تهوي إليه، أو قد يلحق بقطيع الماشية والرعاة يتنسَّمون ريحه، فإذا جاع أمسكوا له بالشاة يرتوي من حليبها، وإن تعب أناخوا له الناقة يعتلي ظهرها..
ومثل أي طفل عربي، فَرَضَ عليه وجودُه أن يكون في جوف الصحراء. كانت الرمال تحمي محمداً من كسور الجسم إن وقع، ويلفح وجهه هجيرُها إن سرح، فينشأ صلباً، قوياً، متين البنية والأعصاب، لأن قساوة الطبيعة من شأنها أن تصهر معدن الرجال، وتغرس في نفوسهم قوة الاحتمال، والصبر، والتمرّس.
أجل، لقد عاش محمد تلك الطفولة العربية بكل محاسنها وقساوتها، فعرف المرح، وجرَّب الرعي، واعتاد اللسان العربي الفصيح حتى بلغ الخامسة من عمره، فعادت به حليمة - على كرهٍ منها - إلى أمه وجدِّه، ليتابع مسيرة حياته التي خطَّها الله تعالى له في عليائه.
وقد تركت السنوات الخمس التي عاشها في البادية أعمق الأثر في نفسه فكان يقول من بعدُ لأصحابه: «أنا أعربكم، أنا قرشيٌّ واستُرضعت في بني سعد بن بكر»[*].
عاد محمد إلى أمه لتزوِّده بما تأصل في نفسها من صفات كريمة في بيت أهلها، وبما يتناسب مع أخلاق بني هاشم في مقامهم وسيادتهم في القوم؛ ولتنمِّي فيه حبَّ عشيرته الأقربين، بل وحبّ الناس كافة، ولذلك قررت بعد بضعة شهور أن تأخذه إلى يثرب، ليعرف أخواله من بني النَّجار، ويزور قبر أبيه.. بحيث يتاح لها، هي أيضاً أن تزور مثوى زوجها، وفاءً لذكراه، وهي «الأمينة» الوفية لأيام الزوجية، كما هو وفاؤها للقيم والمثل الإنسانية الرفيعة.
ولم تطل مدة بقائها في يثرب، على الرغم ممَّا لاقت من الحفاوة والإكرام هي وابنُها عند بني عدي بن النجار، أقارب حميها عبد المطلب، وأخوال زوجها المتوفى عبد الله. فقد آثرت آمنة العودة سريعاً، ولمّا يمض شهر على زيارتها تلك، لأنها تعلم أنَّ حماها لا يطيق فراق حفيده، ولأنها هي أيضاً تجد الأمان والاطمئنان في كنف سيد القوم الذي بذل كثيراً من نفسه لأجلها.. ولكنها لم تكن لتعلمَ، وهي تودعه في مكة، أنه الوداع الأخير، وأنها مفارقته في هذه الدنيا إلى الأبد. فما إن وصلت راحلتها إلى الأبواء[*]، حتى فاجأها مرض الحمى، وعجَّل في موتها، دون سابق إنذار، فدفنت في تلك المحلة، تغمّدَها الله تعالى برحمته ورضوانه..
لقد دهم الموت أم محمد فصار يتيم الأبوين وليس له من العمر إلا ست سنوات، وهي السن التي يبدأ فيها أول الوعي عند الولد، وبذلك لم يعش معها أكثر من سنة بعد إعادته من مضارب بني سعد. إلاَّ أنّ تلك المدة، على قِصَرها، كانت كافيةً لتشبع نفسه بحنان الأمومة، وتطبع في ذهنه صورة جميلة محببة عن هذه الأم التي تعلقت به، وتعلّق بها حتى صارا وكأنهما روح واحدة في جسدين، فكان طبيعياً أن تلتاع نفسه، ويهلع قلبه وهو يراها تُوارى جدث الرحمة، وتغيب عن ناظريه في فجوةٍ غطَّاها الرمل الكثيف؛ فيرتمي فوق قبرها باكياً.. يناديها فلا تجيب، ويصرخ شاكياً فلا ترد.. إنها مشيئة الله السنيّة أن يعيش محمد مثل هذا اليتم في سنٍّ مبكرةٍ، ليكون له آيةً في الكِبَر، وليكون هو نفسه آية لكل يتيم، فلا يكون فقد الأبوين عائقاً له عن متابعة مسيرة الحياة، بل وعن حمل أعظم المسؤوليات.
ماتت آمنة أم محمد..
فحملت أم أيمن البرَّة هذا الطفل اليتيم لترتحل به في جوف الصحراء، وفي قلبها حرقة، وفي عينها دمعة.. ومما يدهش العقول أن تكون هذه المرأة تحمل اسم برَكة حتى تكون نعمة وبركة على هذا الطفل، فترافقه طوال حياته على اليُمن والبركة فعلاً. فسبحان الله الذي جعل اسم أم محمد آمنة، واسم مرضعته حليمة، واسم مربيته بركة...
محمد اليتيم
لقد بات محمد الآن وحيداً، بلا أم ترعاه وتحنو عليه، ولا أب يربيه ويحميه.
وها هو في جوف الصحراء الواسع الموحش، ولا أنيس له إلاّ هذه الجارية الحبشية الوفية، التي تجد نفسها، والمأساة تعتصرها، لا حول لها ولا طول.. فقد بذلت جهودها لكي تسرّي عن هذا الطفل المحزون، وأن تخفف بعضاً من شجونه، ولكنَّ وعيه الذي كان أكبر من عمره بكثير، وإدراكه لما حلَّ به، كان فوق كل مواساتها فظلت الأحزان رفيقه في طريقه.
فيا لله من عوادي[*] الأيام ما أقساها!، وما أشد وقعها على هذا الطفل، تنقضُّ عليه فتسلبه أباه من قبل أن يولد، ثم ها هي تسلبه أمه بين ليلةٍ وضحاها، وتدهمه وهو في غربةٍ، بعيداً عن الأهل والناس! ففي يتمه غربة عن الوالدين، وفي وحدة الصحراء غربة عن الناس، فاجتمعت على محمدٍ غربتان عاتيتان قد تهدّان الرجل الجلد القوي، فكيف إذا أصابتا صبياً في السادسة من عمره.
ويقع الخبر على عبد المطلب كالصاعقة، فيعصر الحزنُ قلبه حتى لتكاد روحه أن تفارقه لولا أن حفيده بين ذراعيه.. ولكن إذا كان قدر آمنة أن تموت، وتخلّف محمداً يتيماً من أبويه، فإن جده لن يتوانى أبداً عن عمل كل ما من شأنه أن يطوي صفحة اليتم في حياته، فيجعله في كنفه، ليكون له ابناً حبيباً، ويحوطه برعايته، فلا يجعل لقهر اليتم عليه سبيلاً.
بل وأحاط كلُّ من في البيت محمداً بالمشاعر الصادقة، فكانت ربة البيت، السيدة هالة، زوجة عبد المطلب، خير راعية له بعطفها وحنانها. ذلك أنها، فضلاً عن أصالة محتدها، وما جُبِلَت عليه من إنسانية، كانت قريبة أمه آمنة، فهي ابنة عمها، وقد حزنت على فراقها حزناً شديداً، فأخذت على نفسها أن تكون بمثابة الأم لوليدها محمد. ولذلك قامت على تربيته خير قيام، تعطيه من نفسها ومن حبها ما تعطي أبناءها تماماً، بل وربما كانت الأرجحية له في كثير من الأمور، تنفيذاً لأوامر الشيخ المهيب عبد المطلب، الذي كان يحرص على أن يعامل حفيدهُ معاملةً مميزة حتى عن أبنائه.
وهكذا عاش محمد في بيت صالح تغلب عليه أواصر الحب والألفة، ودوافع الإيثار والتضحية، فلم يشعر بمرارة فقد الوالدين، ولا بقهر اليتم.. ولو لم يكن حب أهل هذا البيت الكريم متوفراً له، لكان حب جده عبد المطلب كافياً وحده، فقد أدناه منه، حتى أنه كان لا يأكل طعاماً إلا إذا حضر، ولا ينام إلا إذا اطمأن عليه في إغفاءته.. فكان حرياً بتلك المشاعر الإنسانية النبيلة أن تبعد عن محمد أي أثر للوحدة، أو للانكماش على الذات، وأن تدفع عنه الانفعالات التي تؤذي الأطفال في مثل عمره عندما لا يجدون حولهم من يعطف عليهم، ومن يطيّب خاطرهم، أو يهتم لأمرهم.
وتلك الرعاية المباركة، التي كانت يدُ الله سبحانه وتعالى توجهها، قد ذكرها القرآن الكريم، وبيّن أن ربَّ محمد هو الذي آواه، وأنعم عليه بالمأوى الطيب الذي يُبعد عنه غوائل[*] اليتم والتشرد مصداقاً لقوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى *} [الضّحى: 6].
نعم إنه فضل الله تعالى على محمد، وقد اختار له بيت جده عبد المطلب ليجد فيه المأوى والكفيل، في تلك الفترة الحرجة من حياته، فكان ما قدَّر الله تعالى أن يكون.
وعاش محمد في كنف جده على تلك الصورة الرائعة من العناية والرعاية، بل وزاد في تألّقها، أن جده الحكيم، وبما أودع فيه خالقُه من حصافةٍ ورجاحة عقل، كان يرى أن في حياة حفيده سرّاً خطيراً سوف يجعل له شأناً عظيماً، ولذلك جعل له منزلة خاصة من دون الآخرين، إذ كان من عادته أن يوضع له فراش في ظل الكعبة، فيتحلّق حوله أبناؤه، وعِلْيَةُ القوم من قريش وزعماء مكة، فلا يجلس عليه أحد إجلالاً له، فكان محمد يأتي، فيشير جده لمن حوله أن يدعوه، وألاَّ يعترضه أحد، وهو يقول لهم: «دعوا ابني فوالله إنَّ له لشأناً»[*]، فكان يجلسه بقربه على فراشه، دون أحد من أبنائه، أو غيرهم من الناس..
ولشدّةِ اهتمام سيد مكة بحفيده، أبقى معه الجارية أم أيمن لتعيش في وسط عائلته مثل عيشهم، عزيزة مكرّمة، وذلك لما وجَدَ عندها من حب له، ورعاية يقظة. وكانت هي بدورها قد وجدت في محمد المتنفَّس لعواطفها، والملاذ لمشاعرها الإنسانية، إذ كانت وحيدة، محرومة من عطف الأهل، ومن حنان الأبناء، فقيّض الله تعالى ابنَ سيدها المرحوم عبد الله، ليكون بمثابة الابن لها، لا سيما أنها رافقت حياته منذ كان جنيناً في بطن أمه، وشهدت لوعته على فراقها، وحملته إلى جده بعد المأساة، فحق لها أن تلازمه، وأن تكون البرّة به، كما كانت وفية لأهله.
وظلَّ محمد على تلك الحال وهو في كنف جده عبد المطلب، حتى إذا بلغ الثامنة من عمره، فاجأته نكبة جديدة لا تقل عن نكبته بأمه.. فقد حانت الساعة لأن يفارق عبدُ المطلب، ابنُ الثمانين حولاً، هذه الدنيا، وألقي على فراشه يعاني سكرات الموت، وعيناه تنظران إلى السماء تارة، وإلى الباب تارة أخرى، وما إِنْ دخل حفيده محمد عليه، وأسرع يرتمي فوقه ويحضنه وهو في فراشه، حتى فاضت روحه إلى خالقها، وكأنه كان ينتظر وصول هذا الطفل ليلقي عليه آخر نظرةٍ في هذه الحياة الدنيا..
وبكى محمدٌ هذا الجدَّ بمدامع العين، وزفرات القلب، ولعلَّ حزنَهُ الكبير وهو يمشي في قافلة التشييع، وراء نعش جدِّهِ، وإلى أن واروه في التراب، قد جعل حزن الناس عليه أشدَّ من أي حزن عرفوه، بل ويزيد في فاجعتهم على فقد شيخهم، سيد الديار، وحامي السؤدد والذمار[*].
وإذا كانت النكبة قد عمَّت بموت عبد المطلب كل قبيلٍ في مكة، إلاَّ أن وقعها على بني هاشم كان أقوى وأشد لما كان له في نفوسهم من عظيم المكانة، وجلال المقام... وكان عبد المطلب يتقلّد جميع المناصب في حياته، فكان على بني هاشم أن يستودعوها أبناءَهُ بعد مماته، فأعفي الابن الأكبر الحارث من أيٍّ منها كما أوصى أبوه، لأنه لم يرد أن يرهقه بشيء منها لقلة ماله، وشدة جوده، فآلت السقاية، دون الرفادة، إلى العباس - على الرغم من كثرة المال الذي يمتلكه - وتولى الزبير أمور الكعبة.. أما ابنه أبو طالب فقد عهد إليه أبوه بكفالة محمد من بعده، مع علمه بقلة ماله وكثرة عياله، «فلا عجب إن كان أنبل أبناء عبد المطلب، وأكرمهم في قريش مكانة واحتراماً، ولا عجب أن عهد إليه عبد المطلب بكفالة محمد من بعده»[*]، ولكنّ فقره هو الآخر، مثل أخيه الحارث، كان السبب في تخلّيه عن المناصب بعد أبيه.
ثم إن أبا طالب بالذات هو أحق بكفالة ابن أخيه محمد من أعمامه الآخرين، لأنه هو وأبوه عبد الله كانا أخوين لأب وأم. فأبوهما عبد المطلب، وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ من بني مخزوم، فاجتمعت كل الأسباب ليكون أبو طالب من يَلِي أمرَ محمدٍ من بعد جدِّهِ.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB